النشر الدولي… استثمار لا رفاهية <br>ا. د. محمود مبروك

النشر الدولي… استثمار لا رفاهية
ا. د. محمود مبروك



أستاذ بجامعة الملك سلمان الدولية، والحاصل على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم التكنولوجية المتقدمة (2023)، والمُدرج ضمن قائمة أفضل 2% من علماء العالم في مجال الميكروبيولوجيا، وفقًا للتصنيف العالمي الصادر عن جامعة ستانفورد لعامي 2025 و 2026.
في عالمٍ يشهد تنافسًا متسارعًا في إنتاج المعرفة، لم يعد تميّز الجامعات يُقاس بعدد طلابها أو اتساع حرمها الجامعي، بل بقدرتها على إنتاج بحوث علمية رصينة، ونشرها في المجلات الدولية المرموقة، وتحويل مخرجاتها إلى حلول مبتكرة تُسهم في خدمة المجتمع ودعم خطط التنمية المستدامة. ومن هذا المنطلق، أصبح النشر العلمي الدولي والمشروعات البحثية ركيزتين أساسيتين في بناء السمعة الأكاديمية للجامعات، وتعزيز مكانتها في التصنيفات العالمية، كما غدوا من أبرز مؤشرات الأداء التي تُقاس بها كفاءة مؤسسات التعليم العالي وقدرتها على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
وقد أدركت الدولة المصرية مبكرًا أهمية هذا التوجه، فجعلت البحث العلمي والابتكار أحد المحاور الرئيسة لرؤية مصر 2030، المحور الرابع الذي ينص علي المعرفه، الابتكار، البحث العلمي بوصفهما ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة، وربط مخرجات البحث العلمي باحتياجات المجتمع والصناعة. وينطلق هذا التوجه من قناعة راسخة بأن بناء جامعة عصرية قادرة على المنافسة عالميًا يتطلب بيئة بحثية متطورة، وباحثين يمتلكون الكفاءة والإبداع، وإدارة جامعية تؤمن بأن الاستثمار في العقول هو الاستثمار الأكثر استدامة، والأعلى عائدًا على المجتمع والاقتصاد.
ولم يعد النشر العلمي الدولي مجرد إنجاز شخصي يُضاف إلى السيرة الذاتية للباحث، بل أصبح مؤشرًا مؤسسيًا يعكس جودة الجامعة وقوة تأثيرها الأكاديمي. فالجامعات التي تحقق معدلات مرتفعة في النشر العلمي تزداد فرصها في تحسين ترتيبها العالمي، واستقطاب التمويل البحثي، وإبرام شراكات علمية مع مؤسسات دولية، وجذب الباحثين والطلاب المتميزين من مختلف أنحاء العالم. كما تمثل المشروعات البحثية حلقة الوصل بين الجامعة واحتياجات المجتمع، من خلال تحويل الأفكار العلمية إلى تطبيقات عملية تسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، ومن وجهة نظري، قدّمت جامعة الملك سلمان الدولية نموذجًا جديرًا بالتقدير والدراسة. فمنذ تأسيسها، تبنت الجامعة رؤية واضحة تقوم على ترسيخ ثقافة البحث العلمي بوصفه أحد المحاور الرئيسة للتميز المؤسسي، ولم تنظر إليه باعتباره نشاطًا أكاديميًا هامشيًا، بل استثمارًا استراتيجيًا في بناء جامعة قادرة على المنافسة محليًا ودوليًا.
وقد تُرجمت هذه الرؤية إلى خطوات عملية شملت تشجيع أعضاء هيئة التدريس والباحثين على النشر في المجلات العلمية الدولية ذات السمعة المرموقة، وتقديم الحوافز للباحثين المتميزين، ودعم المشاركة في المؤتمرات العلمية، وتعزيز التعاون البحثي بين الكليات، إضافة إلى بناء شراكات مع الجامعات والمراكز البحثية داخل مصر وخارجها. كما حرصت الجامعة على توفير بنية تحتية حديثة، وبيئة أكاديمية محفزة، مع متابعة مستمرة لمؤشرات الأداء البحثي، بما يعكس إيمانًا راسخًا بأن جودة البحث العلمي مسؤولية مؤسسية مشتركة، وليست مسؤولية الباحث وحده.
ولعل ما حققته الجامعة خلال فترة وجيزة يؤكد نجاح هذه الرؤية. فقد سجلت جامعة الملك سلمان الدولية حضورًا لافتًا في المحافل الأكاديمية، وتمكنت، رغم حداثة نشأتها، من تحقيق قفزات نوعية في مؤشرات الأداء والتميز. ويُعد إدراجها، للعام الثاني على التوالي، ضمن الفئة (601–800) عالميًا في تصنيف Times Higher Education Impact Rankings 2026، واحتلالها المركز السادس عشر بين الجامعات المصرية، دليلًا واضحًا على أن الاستثمار في البحث العلمي يؤتي ثماره عندما يقترن برؤية مؤسسية واضحة وإدارة داعمة وثقافة أكاديمية تؤمن بالتميز.
وتؤكد التجارب الدولية أن الجامعات التي نجحت في حجز مكانة متقدمة في التصنيفات العالمية لم تعتمد على الإمكانات المادية وحدها، وإنما بنت منظومة متكاملة تجعل من البحث العلمي أولوية استراتيجية، ومن النشر الدولي ثقافة مؤسسية، ومن التعاون الأكاديمي وسيلة لإنتاج معرفة ذات أثر عالمي.
ومن هنا، فإن مسؤولية الارتقاء بالجامعة لا تقع على عاتق الإدارة وحدها، ولا على الباحث منفردًا، بل هي مسؤولية تكاملية يشترك فيها الجميع؛ تبدأ برؤية مؤسسية داعمة، وتمر ببيئة أكاديمية محفزة، وتُترجم إلى إنتاج علمي عالي الجودة، وتنتهي بأثر ملموس يخدم المجتمع ويعزز مكانة الجامعة بين نظيراتها إقليميًا ودوليًا.
إن الإنفاق على البحث العلمي ليس ترفًا يمكن تأجيله، بل هو استثمار طويل الأمد في مستقبل الوطن. فكل بحث يُنشر في مجلة دولية مرموقة، وكل مشروع بحثي يعالج قضية مجتمعية، وكل شراكة علمية ناجحة، تمثل لبنة جديدة في بناء اقتصاد المعرفة وتعزيز القدرة التنافسية للدولة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي أثبتتها التجارب العالمية واضحة لا تقبل الجدل: فالجامعات العظيمة لا تُقاس بما تمتلكه من مبانٍ ومنشآت، وإنما بما تنتجه من معرفة، وما تتركه من أثر في سجل العلم، وبقدرتها على تحويل البحث العلمي إلى قوة دافعة للتنمية، وجسرٍ يعبر بالمجتمع نحو مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة.

​"كاتب صحفي وإعلامي مصري، شغوف بعالم الدراما وصناعة المحتوى الرقمي. أؤمن بأن الكلمة رسالة والخبر أمانة. من خلال منصتي 'لحظة تريند'، أسعى لتقديم تغطية فنية واجتماعية تليق بعقل المشاهد العربي، مع التركيز على دعم المبدعين وتسليط الضوء على النجاحات الحقيقية في مجتمعنا."

إرسال التعليق

الترندات