ملائكة في الزحام
تركت زوجة الأب طفلين توأم في المطار وصعدت إلى الطائرة وكأنهما حقيبتان لا تخصانها، ولم تكن تعرف أن رجلًا نافذًا كان يراقب كل شيء، وأن اسم الطفلين سيوقظ في قلبه دينًا قديمًا لم يسدده منذ سنوات.
كان المطار مزدحمًا كالعادة، أصوات الحقائب على الأرض، نداءات الرحلات، شاشات مضيئة، ووجوه تركض كأن كل شخص يحاول الهـ.ـروب من شيء لا يراه أحد.
في وسط هذا الزحام كانت امرأة ترتدي معطفًا بيجًا تمشي بسرعة، تحمل حقيبة فاخرة وتشد وجهها بضيق كأن وجود الطفلين خلفها عبء ثقيل على يومها.
كان خلفها طفل وطفلة في الخامسة من عمرهما، توأمان بملامح متشابهة جدًا، الصبي يحمل دبدوبًا قديمًا على صدره، والفتاة تمسك يده بقوة كأنها تخاف أن يضيع هو أيضًا.
وصلت المرأة إلى بوابة السفر رقم سبعة عشر، أشارت إلى كرسي قريب وقالت بحدة جملة لم يسمعها أحد وسط الضجيج، لكن الطفلين فهموا الإشارة وجلسا فورًا.
نظرت إليهما ثانية واحدة فقط، لا قبلة، لا حضن، لا كلمة تطمئن قلبيهما الصغيرين.
ثم أخرجت بطاقة الصعود، مرّت من البوابة، واختفت داخل الممر المؤدي للطائرة.
لم يوقفها أحد، ولم ينتبه أحد، فالناس في المطارات لا يرون إلا رحلاتهم ومواعيدهم وحقائبهم.
لكن رجلًا واحدًا توقف.
كان اسمه مراد الحديدي، رجل أعمال معروف، يخافه كثيرون ويحترمه قليلون، صاحب نفوذ واسع، يتحرك حوله حراس بصمت، ويكفي دخوله إلى مكان ليخفض الناس أصواتهم دون أن يطلب.
كان مراد في طريقه إلى رحلة مهمة، لكن عينيه لم تتركا الطفلين، خصوصًا الصبي الذي ظل ينظر إلى البوابة التي ابتلعت المرأة دون أن يبكي.
ذلك الصمت الصغير أوجـ.ـعه أكثر من الصـ.ـراخ، صمت طفـ.ـل يعرف أن البـ.ـكاء لا يعيد من قرر تركه.
همس مساعده: “يا باشا، الرحلة اتأخرت نصف ساعة”.
لم يرد مراد، بل تقدم نحو المقعدين، وانحنى حتى صار في مستوى الطفلين.
قال بصوت هادئ لا يشبه صوته في الاجتماعات: “مامتكم فين؟”.
ضم الصبي الدبدوب أكثر إلى صدره، وقال دون أن يرفع عينيه: “دي مش ماما”.
كانت الجملة بسيطة، لكنها نزلت على قلب مراد كصفعة.
نظر إلى الطفلة وسألها: “اسمك إيه؟”.
قالت بثبات غريب: “ملك”.
وسألها عن أخيها، فقالت: “آدم… إحنا توأم”.
جلس مراد بجانبهما بدل أن يقف فوقهما، لأنه لم يرد أن يكون شخصًا مخيفًا آخر في يومهما المخيف.
سأل: “حد جاي ياخدكم؟”.
هزت ملك رأسها بالنفي، أما آدم فظل ينظر إلى الباب الزجاجي حتى بدأت الطائرة تتحرك بعيدًا، عندها فهم أن المرأة رحلت فعلًا.
لم يبكِ، فقط شد شفتيه بقوة، وامتلأت عيناه بالدمـ.ـوع دون أن يسمح لها بالسقوط.
شعر مراد بانقباض قديم في صدره، كأن هذه اللحظة فتحت بابًا في ذاكرته كان يحاول إغلاقه منذ سنوات.
سأل بهدوء: “جعانين؟”.
نظر آدم إلى أخته، وكأنه لا يثق في أي وعد يأتي من الكبار، ثم قال بصوت صغير: “شوية”.
مد مراد يده دون أن يجبره، وبعد تردد طويل وضع آدم يده الصغيرة في يده، أما ملك فأمسكت يد المساعد الذي تجمد من المفاجأة كأن طفلة صغيرة وضعت في يده حياة كاملة.
أخذهم مراد إلى صالة كبار الزوار، حيث المقاعد المريحة والطعام المرتب والهدوء الغريب على أطفال اعتادوا الخوف.
أكل آدم بسرعة لكنه كان يحاول أن يبدو مؤدبًا، كأنه يخاف أن يقول له أحد إن الطعام ليس له، أما ملك فرتبت قطع الفاكهة حسب الحجم قبل أن تأكل واحدة فقط.
اتصل مراد أولًا بشخص في السجل المدني، ثم اتصل بمحاميه وقال بجملة قصيرة: “في طفلين متروكين في المطار… عايز أعرف قانونًا نقدر نعمل إيه فورًا”.
عندما عاد، كان آدم قد نام وهو جالس، رأسه على ذراعه والدبدوب محشور في حضنه، بينما بقيت ملك مستيقظة تراقب كل حركة.
سألته فجأة: “إنت شـ.ـرطي؟”.
قال: “لا”.
نظرت إليه لحظة ثم سألت: “طيب إنت طيب؟”.
لم يعرف ماذا يجيب، لأن رجلًا مثله لم يكن معتادًا أن يُسأل هذا السؤال من طفلة في الخامسة.
لكنها لم تنتظر إجابة، وقالت: “آدم بيخاف من الضلمة… لو النور اتطفى بيمسك إيدي”.
في تلك اللحظة اهتز هاتف مراد، وصلت رسالة من الشخص الذي بحث في بيانات الطفلين.
قرأ الاسم مرة، ثم مرة ثانية.
اسم العائلة: كمال.
واسم الأب: طارق كمال، متوفى منذ أحد عشر أسبوعًا في حادث موقع بناء.
تغير وجه مراد فورًا.
كان يعرف طارق كمال، يعرفه جيدًا، لأن هذا الرجل أنقذ حياته قبل سبع سنوات، يوم تعرض مراد لمحاولة قتـ.ـل على طريق صحراوي، وانقلبت سيارته واشتعـ.ـلت وهو داخلها.
وقتها لم يقترب أحد من النار، إلا ميكانيكي شاب كان يعمل في ورشة قريبة، ركض وسط اللـ.ـهب وكسر الباب وسحب مراد قبل أن تنفـ.ـجر السيارة.
عرض عليه مراد مالًا كثيرًا، لكن طارق رفض وقال له يومها: “لو عايز ترد الجميل، اعمل خير في حد محتاج يومًا ما”.
والآن، كان طفلا طارق نائمين في مطار، متروكين كحقائب لا صاحب لها.
أغلق مراد الهاتف ببطء، ونظر إلى آدم وملك، وفهم أن الدين الذي ظن أنه نسيه عاد إليه في شكل طفلين خائفين.
لكن الكليف هانجر الصادم لم يكن في أن زوجة الأب تركت التوأم، ولا في أن والدهما كان الرجل الذي أنقذ حياة مراد، بل عندما وصل تقرير الكاميرات بعد ساعة، وظهر أن المرأة لم تكن مسافرة وحدها.
كان هناك رجل ينتظرها بعد نقطة التفتيش، رجل يعرفه مراد جيدًا، شريكه القديم الذي خانه قبل سنوات واختفى بعد محاولة قتله.
نظر مراد إلى الشاشة، ثم إلى الطفلين، وقال بصوت منخفض: “الموضوع مش إهمـ.ـال… دي بداية جـ.ـريمة”.
فهل تركت زوجة الأب التوأم هـ.ـروبًا من الفقر؟ أم كانت تسلمهُما عمدًا ليموتا وسط الزحام؟ ولماذا ظهر شريك مراد القديم في نفس الرحلة؟ وهل كان مـ.ـوت طارق كمال حادثًا…
أم لأنه كان يعرف سـ.ـرًا يربط بين الطفلين والرجل الذي حاول قتل مراد منذ سبع سنوات؟
تحول لون عيني مراد الحديدي إلى بريق من الفولاذ البارد. لم تعد القضية مجرد “رد جميل” لرجل أنقذ حياته، بل تحولت إلى مواجهة مع شيطان ظن أنه دفنه تحت أنقاض سيارته المحترقة منذ سنوات.
وقف مراد بعيداً عن الصغيرين، والتفت إلى مساعده “صقر” الذي كان يرتجف من نظرة رئيسه: “صقر، الرحلة دي مش هتطلع. اتصل ببرج المراقبة، الطائرة لازم ترجع للمدرج فوراً لأسباب أمنية.. والست اللي في الكاميرا، عايزها هنا في المكتب ده، هي والراجل اللي كان معاها، قبل ما رجلهم تلمس أرض الممر.”
المواجهة تحت أزيز الطائرات
لم تمضِ نصف ساعة حتى فُتح باب القاعة الخاصة بعنف. دخلت زوجة الأب، “نجلاء”، يجرها اثنان من الحرس، يتبعها رجل كان يحاول إخفاء وجهه بياقة معطفه.. إنه “باهر”، شريك مراد القديم.
تجمدت نجلاء حين رأت مراد الحديدي جالساً وأمامه فنجان قهوة لم يلمسه. لكن الصدمة الكبرى كانت لباهر، الذي شحب لونه كالجثث حين أدرك أنه وقع في قبضة الرجل الذي حاول تصفيته.
قال مراد بصوت يقطر هدوءاً مميتاً: “باهر.. سبع سنين استخبيت فيهم زي الفار، واليوم قررت تظهر عشان تقتل طفلين؟”
صرخت نجلاء بذعر: “أنا ماليش دعوة! باهر قالي لو سبتهم هنا هيوديهم لمكان أمان.. قالي إنهم خطر على حياتي!”
ضحك مراد ضحكة خاوية: “خطر على حياتك؟ ولا خطر على الميراث؟”
السر المدفون
سحب مراد ملفاً كان المحامي قد أرسله للتو عبر البريد الإلكتروني. نظر إلى باهر وقال: “طارق كمال ماماتش في حادثة موقع يا باهر. طارق كان شغال في المخزن القديم بتاع شركتنا اللي إنت حرقت بضاعتها عشان تسرق التأمين.. طارق شافك ليلتها، وصورك.”
أكمل مراد وهو يقترب من باهر الذي بدأ يتصبب عرقاً: “طارق خبا الفلاشة اللي فيها دليل إدانتك في دبدوب آدم.. الدبدوب اللي الصبي مش راضي يسيبه من إيده. إنت مكنتش عايز تخلص من العيال عشان هما عبء، إنت كنت عايز تاخدهم لمكان مقطوع عشان تاخد الدبدوب وتنهي حياتهم، وزوجة الأب الغبية كانت فاكرة إنها بتهرب من مسؤوليتهم بس.”
التفت مراد إلى آدم، الذي كان قد استيقظ ونظر إلى المشهد بخوف. ركضت “ملك” وحضنت أخاها، بينما كان مراد يشير للحرس ببدء الإجراءات القانونية.
الحساب والعهد الجديد
”خدوهم على القسم.. وبالنسبة لنجلاء، تهمة ترك أطفال في حالة خطر كافية توديها ورا الشمس، ده غير التواطؤ في جريمة قتل طارق كمال.”
بعد رحيل الشرطة مع المجرمين، ساد الهدوء القاعة. اقترب مراد من آدم، الذي كان لا يزال يضغط على الدبدوب القديم. انحنى مراد وقال له:2 “آدم.. الدبدوب ده فيه سر كبير، بابا خلاه معاك عشان يحميك ويحميني.”
أخرج مراد من بطن الدبدوب الممزق قليلاً “وحدة تخزين صغيرة” (Flash Drive)، كانت هي الخيط الذي سيغلق قضية باهر للأبد، وسيعيد لمراد حقه الضائع منذ سنوات.
نظر مراد إلى التوأم، وشعر لأول مرة منذ حادثته القديمة أن صدره بات أخف. لم يعد مراد الحديدي مجرد رجل أعمال يخافه الناس، بل صار “الجدار” الذي سيحمي طفلي الرجل الذي منحه الحياة.
قال مراد لملك وآدم وهو يبتسم: “الطيارة اللي فاتتكم دي كانت رايحة لمكان وحش.. بس الطيارة اللي جاية، هتاخدنا لبيتنا الجديد.”
النهاية
لم يسدد مراد دينه لطارق بالمال، بل سدده بصناعة مستقبل لـ “آدم وملك”. ومن ذلك اليوم، لم يعد يُسمع عن مراد الحديدي في صفقات السوق المشبوهة، بل عُرف ببنائه لأكبر دار لرعاية الأيتام وتأمين حقوق العمال، وفي مكتبه الضخم، كانت هناك صورة لتوأمان يبتسمان، وفي يد الصبي دبدوب قديم، كرمز لأن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تموت أبداً.



إرسال التعليق